الشريف المرتضى
145
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
فيقال لمن تعلّق بهذا : ليس يجب لو كان من فعل النّاقص عن كمال العقل أن يظهر فيه الاضطراب والتّفاوت كما ظننت ؛ لأنّ الحذق بأكثر الصّنائع لا يفتقر إلى كمال العقل ووفوره ، وإنّما يحتاج في الصّنعة المخصوصة إلى العلم بها ، فليس يضرّها - مع وجود العلم بها - فقد العلوم الّتي هي العقل ، ولهذا نجد كثيرا من أهل الحذق بالصّنائع والتّقدّم فيها بلها [ غير ] عقلاء ، ويقطع في أكثرهم على خروجه من جملة المكلّفين ، وبعده عن كمال العقل ! فمن أين لك أنّ فقد التّفاوت والاختلال يدلّ على أنّه ليس من فعل خارج عن الكمال ؟ ثمّ من أين أنّ المؤمنين من الجنّ لا يقع منهم استفساد لنا وتلبيس علينا ، ونحن نعلم أنّ الإيمان لا يمنع من المعاصي والفسوق ؟ وأكثر ما في هذا الفعل أن يكون معصية للّه تعالى ، والإيمان غير مانع من ذلك ، سواء [ من ] قبل مذهب أصحاب الإحباط « 1 » ، أو مذهب من نفاه ؛ لأنّه على المذهبين معا جائز أن يعصي المؤمن . وإنّما الخلاف في زوال ثواب إيمانه بالمعصية ، أو ثبوته معها . ثمّ من أين أنّ كفّار الجنّ لو كانوا صنعوه لوجب أن يعارضه المؤمنون ؟ ! وهذا إنّما يثبت لك بعد ثبوت أمرين : أحدهما : أن مؤمني الجنّ لا بدّ أن يتمكّنوا من الفصاحة التي يتمكّن كفّارهم
--> ( 1 ) الإحباط يراد به خروج الثواب والمدح المستحقّين بثواب ومديح ، عن كونهما مستحقّين بذمّ وعقاب أكثر منها لفاعل الطاعة . ولا خلاف بين المسلمين في أنّ الكفر يزيل استحقاق ثواب الطاعات السابقة ، والإيمان يزيل استحقاق العقاب السابق ، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجوز اجتماع استحقاق الثواب والعقاب من غير أن يحبط أحدهما الآخر أم لا ؟ فمن يذهب إلى عدم جواز اجتماع الاستحقاقين يقول بالإحباط ، وهو مذهب الأشاعرة وجمهور المعتزلة . والإماميّة على خلافهم ؛ فإنّهم يقولون بأنّ العقاب الطارئ لا يحبط الثواب الأوّل .